فصل: المجلد التاسع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


مجموع فتاوى ورسائل

المجلد التاسع

فتاوى العقيدة

محمد بن صالح العثيمين

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه نتوكل

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله‏:‏ كتاب التوحيد‏.‏

لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد، وقد ذكر المؤلف في هذه الترجمة عدة آيات‏.‏

والكتاب بمعنى‏:‏ مكتوب أي مكتوب بالقلم، أو بمعنى مجموع من قولهم‏:‏ كتيبة وهي المجموع من الخيل‏.‏

والتوحيد في اللغة‏:‏ مشتق من وحد الشيء إذا جعله واحدًا؛ فهو مصدر وحد يوحد؛ أي‏:‏ جعل الشيء واحدًا‏.‏ وفي الشرع‏:‏ إفراد الله ـ سبحانه ـ بما يختص به من الربوبية والألوهية والسماء والصفات‏.‏

* أقسامه‏:‏ ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام‏:‏

1 ـ توحيد الربوبية‏.‏ 2ـ توحيد الألوهية‏.‏ 3ـ توحيد الأسماء والصفات‏.‏

وقد اجتمعت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏65‏]‏‏.‏

* القسم الأول‏:‏ توحيد الربوبية‏:‏

هو إفراد الله - عز وجل - بالخلق، والملك، والتدبير‏.‏

فإفراده بالخلق‏:‏ أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ من الآية 54‏]‏ فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ من الآية3‏]‏ فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله، لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي‏.‏

أما ما ورد من إثبات خلق غير الله؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ من الآية14‏]‏ وكقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المصورين‏:‏ ‏(‏يقال لهم أحيوا ما خلقتم‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب اللباس/ باب عذاب المصورين يوم القيامة، ومسلم‏:‏ كتاب اللباس والزينة/ باب تحريم تصوير صورة الحيوان‏.‏

‏]‏‏.‏

فهذا ليس خلقًا حقيقة، وليس إيجادًا بعد عدم، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال، وأيضًا ليس شاملًا، بل محصور بما يتمكن الإنسان منه، ومحصور بدائرة ضيقة؛ فلا ينافي قولنا‏:‏ إفراد الله بالخلق‏.‏

وأما إفراد الله بالملك‏:‏

فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 189‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ من الآية 88‏]‏‏.‏

وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏6‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَومَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ من الآية61‏]‏ فهو ملك محدود لا يشمل إلا شيئًا يسيرًا من هذه المخلوقات؛ فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره، وكذا هوملك قاصر من حيث الوصف؛ فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعًا، فمثلًا‏:‏ لو أراد أن يحرق ماله أويعذب حيوانه؛ قلنا‏:‏ لا يجوز، أما الله ـ سبحانه ـ فهو يملك ذلك كله ملكًا عامًا شاملًا‏.‏

وأما إفراد الله بالتدبير‏:‏

فهوأن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏31‏]‏‏.‏

وأما تدبير الإنسان؛ فمحصور بما تحت يده ومحصور بما أذن له فيه شرعًا‏.‏ وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل كانوا مقرين به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 9‏]‏ فهم يقرون بأن الله هوالذي يدبر الأمر، وهوالذي بيده ملكوت السماوات والأرض، ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم؛ فلم يقل أحد من المخلوقين‏:‏ إن للعالم خالقين متساويين‏.‏

فلم يجحد أحد توحيد الربوبية، لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة؛ فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده، قال تعالى حكاية عنه‏:‏

{‏فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعـات‏:‏ 24‏]‏، ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ من الآية 38‏]‏‏.‏ وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ من الآية14‏]‏، وقال تعالى حكاية عن موسى وهويناظره‏:‏ ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ من الآية102‏]‏؛ فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله ـ عز وجل ـ‏.‏

وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا‏:‏ إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين، فهم يقولون‏:‏ إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر‏.‏

وأيضًا فإن الظلمة بفرق ثالث، وهو‏:‏ أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة، واختلفوا في الظلمة‏:‏ هل هي قديمة، أومحدثة‏؟‏ على قولين‏.‏

دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد‏:‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ من الآية91‏]‏، إذ لوأثبتنا للعالم خالقين؛ لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك؛ إذ لا يرضى أن يشاركه أحد، وإذا استقل به؛ فإنه يريد أيضًا أمرًا آخر، وهوأن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد‏.‏

وحينئذ إذا أرادا السلطان؛ فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أويسيطر أحدهما على الآخر؛ فإن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعًا؛ لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربًا‏.‏

القسم الثاني‏:‏ توحيد الألوهيــة‏:‏

ويقال له‏:‏ توحيد العبادة باعتبارين؛ فباعتبار إضافته إلى الله يسمى‏:‏ توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة‏.‏

وهو إفراد الله ـ عز وجل ـ بالعبادة‏.‏

فالمستحق للعبادة هوالله تعالى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوالْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِل‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ من الآية30‏]‏‏.‏

والعبادة تطلق على شيئين‏:‏

الأول‏:‏ التعبد‏:‏ بمعنى التذلل لله ـ عز وجل ـ بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ محبة وتعظيمًا‏.‏

الثاني‏:‏ المتعبد به؛ فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏(‏اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة‏)‏‏.‏

مثال ذلك‏:‏ الصلاة؛ ففعلها عبادة، وهوالتعبد، ونفس الصلاة عبادة، وهوالمتعبد به‏.‏

فإفراد الله بهذا التوحيد‏:‏ أن تكون عبدًا لله وحده تفرده بالتذلل؛ محبة وتعظيمًا، وتعبده بما شرع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏22‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏2‏]‏؛ فوصفه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له؛ فهوالإله لأنه رب العالمين، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية21‏]‏؛ فالمنفرد بالخلق هو المستحق للعبادة‏.‏

إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلهًا تعبده؛ فهوفي الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد ولا بإعداد ولا بإمداد، فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميمًا تدعوه وتعبده، وهوبحاجة إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه؛ فهولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؛ فكيف يملكه لغيره‏؟‏‍‍‍‍‍‍‏!‏

وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏25‏]‏‏.‏

ومع هذا؛ فأتباع الرسل قلة، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الطب/ باب من اكتوى أوكوى غيره، ومسلم‏:‏ كتاب الإيمان/ باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب‏.‏‏]‏‏.‏

* تنبيه‏:‏

من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقوامًا ينكرون وجود الرب ـ وإن كان يوجد من ينكر الرب ـ لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة‏!‏‏!‏

ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون، وهم مشركون، ولا يعلمون‏.‏

القسم الثالث‏:‏ توحيد الأسماء والصفات‏:‏

وهو إفراد الله ـ عز وجل ـ بما له من الأسماء والصفات‏.‏

وهذا يتضمن شيئين‏:‏

الأول‏:‏ الإثبات، وذلك بأن نثبت لله ـ عز وجل ـ جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

الثاني‏:‏ نفي المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلًا في أسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ من الآية11‏]‏‏.‏ فدلت الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين؛ فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهومعطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابهًا للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين‏.‏

وهذا القسم من التوحيد هوالذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل، ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلًا، فإذا قال‏:‏ بأن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة؛ لم ينزه الله، بل وصمه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل؛ لأن الله يكرر ذلك في كلامه ويثبته، ‏{‏سميع بصير‏}‏، ‏{‏عزيز حكيم‏}‏، ‏{‏غفور رحيم‏}‏، فإذا أثبته في كلامه وهوخال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل والقدح في كلام الله ـ عز وجل ـ ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعمًا بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره؛ إذ وصموه بالعيب والنقص؛ لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه‏.‏

وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره؛ كما قيل‏:‏

ألم تر أن السيف ينقص قدره ** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

فكيف بتمثيل الكامل بالناقص‏؟‏‏!‏ هذا أعظم ما يكون جناية في حق الله ـ عز وجل ـ وإن كان المعطوف أعظم جرمًا، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره‏.‏

فالواجب‏:‏ أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل‏.‏

هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم‏.‏

فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة، إلا أنه أخص من التكييف؛ فكل ممثل مكيف، ولا عكس، فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه الأمور الأربعة‏.‏

ونعني بالتحريف هنا‏:‏ التأويل الذي سلكه المحرفون لنصوص الصفات؛ لأنهم سموا أنفسهم أهل التأويل، لأجل تلطيف المسلك الذي سلكوه؛ لأن النفوس تنفرد من كلمة تحريف، لكن هذا من باب زخرفة القول وتزيينه للناس، حتى لا ينفروا منه‏.‏

وحقيقة تأويلهم‏:‏ التحريف‏:‏ التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره؛ فنقول‏:‏ هذا الصرف إن دل عليه دليل صحيح؛ فليس تأويلًا بالمعنى الذي تريدون، لكنه تفسير‏.‏

وإن لم يدل عليه دليل؛ فهو تحريف، وتغيير للكلم عن مواضعه؛ فهؤلاء الذين ضلوا بهذه الطريقة، فصاروا يثبتون الصفات لكن بتحريف؛ قد ضلوا، وصاروا في طريق معاكس لطريق أهل السنة والجماعة‏.‏

وعليه لا يمكن أن يوصفوا بأهل السنة والجماعة؛ لأن الإضافة تقتضي النسبة، فأهل السنة منتسبون للسنة؛ لأنهم متمسكون بها، وهؤلاء ليسوا متمسكين بالسنة فيما ذهبوا إليه من التحريف‏.‏

وأيضًا الجماعة في الأصل‏:‏ الاجتماع، وهم غير مجتمعين في آرائهم ففي كتبهم التداخل، والتناقض، والاضطراب، حتى إن بعضهم يضلل بعضًا، ويتناقض هو بنفسه‏.‏

وقد نقل شارح ‏(‏الطحاوية‏)‏ عن الغزالى ـ وهو ممن بغل ذروة علم الكلام ـ كلامًا إذا قرأه الإنسان تبين له ما عليه أهل الكلام من الخطأ والزلل والخطل، وأنهم ليسوا على بينة من أمرهم‏.‏

وقال الرازي وهومن رؤسائهم‏:‏

نهاية إقدام العقول عقـــــال ** وأكثر سعي العالمين ضـلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وغاية دنيانا أذى ووبـــــال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا** سوى أن جمعنا فيه قيل وقــالوا

ثم قال‏:‏ لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طـه‏:‏5‏]‏، ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ من الآية10‏]‏؛ يعني‏:‏ فأثبت، وأقرأ في النفي‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ من الآية11‏]‏، ‏{‏وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا‏}‏ ‏[‏طـه‏:‏ من الآية110‏]‏؛ يعني‏:‏ فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علمًا، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي‏.‏

فتجدهم حيارى مضطربين، ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنًا منشرح الصدر، هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات؛ فيثبت؛ إذا لا أحد أعلم من الله بالله، ولا أصدق خبرًا من خبر الله، ولا أصح بيانًا من بيان الله؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية26‏]‏ ‏{‏يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية 176‏]‏، ‏{‏وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ من الآية89‏]‏، ‏{‏وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية122‏]‏ ‏{‏وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية87‏]‏‏.‏

فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه ما يتعلق بالله تعالى وبأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لم نعلم صفاته، أومن ليس له صفة أمر لا يتحقق أبدًا؛ فلابد أن تعلم من صفات المعبود ما تجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقًا‏.‏

ولا يتجاوز الإنسان حده إلى التكييف أو التمثيل؛ لأنه إذا كان عاجزًا عن تصور نفسه التي بين جنبيه؛ فمن باب أولى أن يكون عاجزًا عن تصور حقائق ما وصف الله به نفسه، ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ ‏(‏لم‏)‏ و‏(‏كيف‏)‏ فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية‏.‏

وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرًا، وهذه حال السف رحمهم الله، ولهذا لما جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله قال‏:‏ يا أبا عبدالله ‏!‏ ‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏، كيف استوى‏؟‏ فأطرق برأسه وقال‏:‏ ‏(‏الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا‏)‏‏.‏

أما في عصرنا الحاضر؛ فنجد من يقول‏:‏ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا؛ لأن الليل يمشي على جميع الأرض؛ فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر، وهذا لم يقله الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن؛ لبينه الله إما ابتداءً أوعلى لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أويقيض من يسأله عنه فيجاب، كما سأل الصحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ أين كان الله قبل أن يخلق السماوات

والأرض؛ فأجابهم ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب بدء الخلق / باب ما جاء في قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏وهوالذي يبدأ الخلق‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏

فهذا السؤال العظيم يدل على أن كل ما يحتاج إليه الناس فإن الله يبينه بأحد الطرق الثلاثة‏.‏

والجواب عن الإشكال في حديث النزول ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب التهجد / باب الدعاء والصلاة آخر الليل، ومسلم‏:‏ كتاب صلاة المسافر/ باب الترغيب في الدعاء والذكر آخر الليل‏]‏‏:‏ أن يقال‏:‏ ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيًا؛ فالنزول فيها محقق، وفي غيرها لا يكون نزول قبل ثلث الليل الأخير أوالنصف، والله ـ عز وجل ـ ليس كمثله شيء، والحديث يدل على أن وقت النزول ينتهي بطلوع الفجر‏.‏

وعلينا أن نستسلم، وأن نقول‏:‏ سمعنا، وأطعنا، واتبعنا، وأمنا؛ فهذه وظيفتنا لا نتجاوز القرآن والحديث‏.‏

* * *

وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏56‏]‏

* الآية الأولى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏‏.‏

قوله ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ استثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي‏:‏ ما خلقت الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول؛ إذ لوكان كذلك للزم أن يكون الخلق كلهم عبادًا يتعبدون له، وليس الأمر كذلك، فهذه العلة غائية، وليست موجبة‏.‏

فالعلة الغائية لبيان الغاية والمقصود من هذا الفعل، لكنها قد تقع، وقد لا تقع، مثل‏:‏ بريت القلم لأكتب به؛ فقد تكتب، وقد لا تكتب‏.‏

والعلة الموجبة معناها‏:‏ أن المعلول مبني عليها؛ فلابد أن تقع، وتكون سابقة للمعلول، ولازمة له، مثل انكسر الزجاج لشدة الحر‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏خلقت‏}‏؛ أي‏:‏ أوجدت، وهذا الإيجاد مسبوق بتقدير، وأصل الخلق التقدير‏.‏

قال الشاعر‏:‏

ولأنت تفري ما خلقت ** وبعض الناس يخلق ثم لا يفري

قوله‏:‏ ‏{‏الجن‏}‏‏:‏ هم عالم غيبي مخفي عنا، ولهذا جاءت المادة من الجيم والنون، وهما يدلان على الخفاء والاستتار، ومنه‏:‏ الجَنة، والجِنة، والجُنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏الإنس‏}‏ سموا بذلك؛ لأنهم لا يعيشون بدون إيناس؛ فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏إلا ليعبدون‏}‏ فسر‏:‏ إلا ليوحدون، وهذا حق، وفسر‏:‏ بمعنى يتذللون لي بالطاعة فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور، ومن طاعته أن يوحد سبحانه وتعالى؛ فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس‏.‏

ولهذا أعطى الله البشر عقولًا، وأرسل إليهم رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، ولوكان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ من الآية 85‏]‏؛ فلابد أن يردك إلى ميعاد تجازى على عملك إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر‏.‏

وليست الحكمة من خلقهم نفع الله، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏}‏ ‏[‏الذريات‏:‏57‏]‏‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية245‏]‏‏.‏

فهذا ليس إقراضًا لله سبحانه، بل هوغني عنه، لكنه سبحانه شبه معاملة عبده لـه بالقرض؛ لأنه لابد من وفائه، فكأنه التزام من الله سبحانه أن يوفي العامل أجر عمله كما يوفي المقترض من أقرضه‏.‏

* * *

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ من الآية36‏]‏‏.‏

* الآية الثانية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ من الآية36‏]‏‏.‏

قوله ‏{‏ولقد‏}‏‏:‏ اللام موطأة لقسم مقدر، وقد‏:‏ للتحقيق‏.‏

وعليه؛ فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، وقد‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏بعثنا‏}‏؛ أي‏:‏ أخرجنا، وأرسلنا في كل أمة‏.‏

والأمة هنا‏:‏ الطائفة من الناس‏.‏

وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معان‏:‏

أ ـ الطائفة‏:‏ كما في هذه الآية‏.‏

ب ـ الإمام، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 120‏]‏‏.‏

ج ـ الملة‏:‏ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا وجدنا آباءنا على أمة‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 23‏]‏‏.‏أخرجبببلار

د ـ الزمن‏:‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وادكر بعد أمة‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 45‏]‏‏.‏

فكل أمة بعث فيها رسول من عهد نوح إلى عهد نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

* والحكمة من إرسال الرسل‏:‏

أ ـ إقامة الحجة‏:‏ ‏{‏رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية 165‏]‏‏.‏

ب ـ الرحمة‏:‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏107‏]‏‏.‏

ج ـ بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلا عن طريق الرسل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله‏}‏ ‏(‏أن‏)‏‏:‏ قيل‏:‏ تفسيرية، وهي التي سبقت بما يدل على القول دون حروفه؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ من الآية27‏]‏، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، والبعث متضمن معنى الوحي؛ لأن كل رسول موحي إليه‏.‏

وقيل‏:‏ إنها مصدرية على تقدير الباء؛ أي‏:‏ بأن اعبدوا، والراجح‏:‏ الأول؛ لعدم التقدير‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله‏}‏ أي‏:‏ تذللوا له بالعبادة، وسبق تعريف العبادة ‏[‏ ص 5‏.‏‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏واجتنبوا الطاغوت‏}‏ أي‏:‏ ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهوفي جانب، والطاغوت‏:‏ مشتق من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان‏:‏ مجاوزة الحد؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏11‏]‏؛ أي‏:‏ تجاوز حده‏.‏

وأجمع ما قيل في تعريفه هوما ذكره ابن القيم رحمه الله بأنه‏:‏ ‏(‏ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع‏)‏‏.‏

ومراده من طان راضيًا بذلك، أو يقال‏:‏ هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه، لأنه تجاوز به حده حيث نزله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغيانًا لمجاوزته الحد بذلك‏.‏

فالمتبرع مثل‏:‏ الكهان، والسحرة، وعلماء السوء‏.‏

والمبعود مثل‏:‏ الأصنام‏.‏

والمطاع مثل‏:‏ الأمراء الخارجين عن طاعة الله، فإذا اتخذهم الإنسان أربابًا يحل ما حرم الله من أجل تحليلهم له، ويحرم ما أحل الله من أجل تحريمهم له؛ فهؤلاء طواغيت، والفاعل تابع للطاغوت، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية50‏]‏، ولم يقل‏:‏ إنهم طواغيت‏.‏

ودلالة الآية على التوحيد‏:‏ أن الأصنام من الطواغيت التي تعبد من دون الله‏.‏

والتوحيد لا يتم إلا بركنين، هما‏:‏

1 ـ الإثبات‏.‏

2 ـ النفي‏.‏

إذ النفي المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع المشاركة‏.‏

مثال ذلك‏:‏ زيد قائم، يدل على ثبوت القيام لزيد، لكن لا يدل على انفراده به‏.‏

ولم يقم أحد، هذا نفي محض‏.‏

ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد له بالقيام؛ لأنه اشتمل على إثبات ونفي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الآية‏)‏ أي‏:‏ إلى آخر الآية، وتقرأ بالنصب؛ إما على أنها مفعول به لفعل محذوف تقديره أكمل الآية، أو أنها منصوب بنزع الخافض؛ أي‏:‏ إلى آخر الآية‏.‏

ووجه الاستشهاد بهذه الآية لكتاب التوحيد‏:‏ أنها دالة على إجماع الرسل

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ من الآية23‏]‏‏.‏

عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏‏.‏

* * *

* الآية الثالثة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ الآية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قضى‏)‏ قضاء الله ـ عز وجل ـ ينقسم إلى قسمين‏:‏

1 ـ قضاء شرعي‏.‏ 2ـ قضاء كوني‏.‏

فالقضاء الشرعي‏:‏ يجوز وقوعه من المقضي عليه وعدمه، ولا يكون إلا فيما يحبه الله‏.‏

مثال ذلك‏:‏ هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏؛ فتكون قضى بمعنى‏:‏ شرع، أوبمعنى‏:‏ وصى، وما أشبههما‏.‏

والقضاء الكوني‏:‏ لابد من وقوعه، ويكون فيما أحبه الله، وفيما لا يحبه‏.‏

مثال ذلك‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏4‏]‏ فالقضاء هنا كوني‏:‏ لأن الله لا يشرع الفساد في الأرض، ولا يحبه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن لا تعبدوا‏)‏‏.‏ ‏(‏أن‏)‏ هنا مصدرية بدليل حذف النون من تعبدوا، والاستثناء هنا مفرغ؛ لأن الفعل لم يأخذ مفعوله؛ فمفعوله ما بعد إلا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا إياه‏)‏ ضمير نصب منفصل واجب الانفصال؛ لأن المتصل لا يقع بعد إلا، قال ابن مالك‏:‏

وذواتصال منه ما لا يبتدأ ** ولا يلي إلا اختيارًا أبدا

* إشكال وجوابه‏:‏

إذا قيل‏:‏ ثبت أن الله قضى كونًا ما لا يحبه؛ فكيف يقضي الله ما لا يحبه‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن المحبوب قسمان‏:‏

1 ـ محبوب لذاته‏.‏

2 ـ محبوب لغيره‏.‏

فالمحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة؛ فيكون حينئذ محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه آخر‏.‏

مثال ذلك‏:‏ الفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد ذاته مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد، ولا المفسدين، ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبًا إلى الله ـ عز وجل ـ من وجه آخر‏.‏

ومن ذلك‏:‏ القحط، والجدب، والمرض، والفقر، لأن الله رحيم لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك، بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه؛ فيكون محبوبًا إلى الله من وجه، مكروهًا من وجه آخر‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏41‏]‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه آخر‏؟‏

فيقال‏:‏ هذا الإنسان المريض يعطي جرعة من الدواء مرة كريهة الرائحة واللون، فيشربها، وهويكرهها لما فيها من المرارة واللون والرائحة، ويحبها لما فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها؛ فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب من وجه آخر‏.‏

فإن قيل‏:‏ لماذا لم يكون قوله ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ من باب القضاء القدري‏؟‏

أجيب‏:‏ بأنه لا يمكن؛ إذ لوكان قضاء قدريًا لعبد الناس كلهم ربهم، لكنه قضاء شرعي قد يقع وقد لا يقع‏.‏

والخطاب في الآية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن قال‏:‏ ‏{‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏، ولم يقل‏:‏ ‏(‏أن لا تعبد‏)‏، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ من الآية1‏]‏؛ فالخطاب الأول للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والثاني عام؛ فما الفائدة من تغيير الأسلوب‏؟‏

أجيب‏:‏ إن الفائدة من ذلك‏:‏

1 ـ التنبيه؛ إذ تنبيه المخاطب أمر مطلوب للمتكلم، وهذا حاصل هنا بتغيير الأسلوب‏.‏

2 ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زعيم أمته، والخطاب الموجه إليه موجه لجميع الأمة‏.‏

3 ـ الإشارة إلى أن ما خوطب به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو له ولأمته؛ إلا ما دل الدليل على أنه مختص به‏.‏

4 ـ وفي هذه الآية خاصة الإشارة إلى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مربوب لا رب، عابد لا معبود؛ فهو داخل في قوله‏:‏ ‏(‏تعبدوا‏)‏، وكفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله ـ عز وجل ـ ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته؛ فقال في مقام التحدي والدفاع عنه‏:‏ ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية23‏]‏، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ من الآية1‏]‏، وقال في مقام الإسراء والمعراج‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ من الآية1‏]‏، ‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏10‏]‏‏.‏

* أقسام العبودية‏:‏

تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام‏:‏

1ـ عامة، وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 93‏]‏، ويدخل في ذلك الكفار‏.‏

2ـ عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ من الآية63‏]‏، وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه‏.‏

3ـ خاصة الخاصة، وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ من الآية3‏]‏، وقال عن محمد‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية23‏]‏، وقال في آخرين من الرسل‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏4‏]‏‏.‏

فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة؛ لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ أي‏:‏ قضى ربك أن نحسن بالوالدين إحسانًا‏.‏

والوالدان‏:‏ يشمل الأم، والأب، ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قربا منك كانا أولى بالإحسان، والإحسان بذل المعروف، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ دليل على أن حق الوالدين بعد حق الله ـ عز وجل ـ‏.‏

فإن قيل‏:‏ فأين حق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏؟‏

أجيب‏:‏ بأن حق الله متضمن لحق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية36‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ أي‏:‏ كف الأذى عنهما؛ ففي قوله‏:‏ ‏(‏إحسانًا‏)‏‏:‏ بذل المعروف، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ ‏:‏ كف الأذى، ومعنى ‏(‏أف‏)‏‏:‏ أتضجر؛ لأنك إذا قلته؛ فقد يتأذيان بذلك، وفي الآية إشارة إلى أنهما إذا بلغا الكبر صارا عبئًا على ولدهما؛ فلا يتضجر من الحال، ولا ينهرهما في المقال إذا أساءا في الفعل أوالقول‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وقل لهما قولًا كريمًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏، أي‏:‏ لينًا حسنًا بهدوء وطمأنينة؛ كقولك‏:‏ أعظم الله أجرك، ابشري يا أمي‏:‏ أبشر يا أبي، وما أشبه ذلك؛ فالقول مثلًا، بل يتضمن الدعاء والإيناس لهما‏.‏

والشاهد من هذه الآية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏‏:‏ فهذا هوالتوحيد لتضمنه للنفي والإثبات‏.‏

* * *

* الآية الرابعة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ الآية‏.‏ ‏{‏ولا تشركوا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ في مقابل ‏(‏لا إله‏)‏؛ لأنها نفي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واعبدوا‏}‏ في مقابل ‏{‏إلا الله‏}‏؛ لأنها إثبات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏شيئًا‏}‏ نكرة في سياق النهي؛ فتعم كل شيء‏:‏ لا نبيًا، ولا ملكًا، ولا وليًا، بل ولا أمرًا من أمور الدنيا؛ فلا تجعل الدنيا شريكًا مع الله، والإنسان إذا كان همه الدنيا كان عابدًا لها؛ كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الجهاد/باب الحراسة في الغزو‏.‏‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ يقال فيها ما قيل في الآية السابقة ‏[‏انظر‏:‏ ‏(‏ص21‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وبذي القربى واليتامى والمساكين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏؛ أي‏:‏ إحسانًا‏.‏

وذو القربى هم من يجتمعون بالشخص في الجد الرابع‏؟‏

واليتامى‏:‏ جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، ولم يبلغ‏.‏

والمساكين‏:‏ هم الذين عدموا المال فأسكنهم الفقر‏.‏

وابن السبيل‏:‏ هوالمسافر الذي انقطعت به النفقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏والجار ذي القربى والجار الجنب‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏ الجار‏:‏ الملاصق للبيت، أومن حوله، وذي القربى؛ أي‏:‏ القريب، والجار الجنب؛ أي‏:‏ الجار البعيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏والصاحب بالجنب‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏، قيل‏:‏ إنه الزوجة، وقيل‏:‏ صاحبك في السفر؛ لأنه يكون إلى حنبك، ولكل منهما حق؛ فالآية صالحة لهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏ هذا يشمل الإحسان إلى الأرقاء والبهائم؛ لأن الجميع ملك اليمين‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏‏.‏

المختال‏:‏ في هيئته‏.‏

والفخور‏:‏ في قوله، والله لا يحب هذا ولا هذا‏.‏

* * *

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ من الآية151‏]‏ الآيات‏.‏

* الآية الخامسة إلى السابعة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ من الآية151‏]‏‏.‏

الخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره الله أن يقول للناس‏:‏ ‏(‏تعالوا‏)‏؛ أي أقبلوا،

وهلموا، وأصله من العلو كأن المنادي يناديك أن تعلوإلى مكانه، فيقول‏:‏ تعالى؛ أي أرتفع إلي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏أتل‏)‏ بالجزم جوابًا للأمر في قوله‏:‏ ‏(‏تعالوا‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ما حرم ربكم عليكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ من الآية151‏]‏ ‏(‏ما‏)‏ اسم موصول مفعول لأتل، والعائد محذوف، والتقدير‏:‏ ما حرمه ربكم عليكم‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏ربكم‏)‏ ولم يقل‏:‏ ما حرم الله؛ لأن الرب هنا أنسب، حيث إن الرب له مطلق التصرف في المربوب، والحكم عليه بما تقتضيه حكمته‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ألا تشركوا‏}‏ أن تفسيرية، تفسر ‏{‏أتل ما حرم‏}‏؛ أي‏:‏ أتلو عليكم ألا تشركوا به شيئًا، وليست مصدرية، وقد قيل به، وعلى هذا القول تكون ‏(‏لا‏)‏ زائدة، ولكن القول الأول أصح؛ أي‏:‏ أتل عليكم عدم الإشراك؛ لأن الله لم يحرم علينا ألا نشرك به، بل حرم علينا أن نشرك به، ومما يؤيد أن ‏(‏أن‏)‏ تفسيرية أن ‏(‏لا‏)‏ هنا ناهية لتتناسب الجمل؛ فتكون كلها طلبية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، أي‏:‏ وأتل عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، بعد أن ذكر حق الأصول ذكر حق الفروع‏.‏

والأولاد في اللغة العربية‏:‏ يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية11‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏من إملاق‏}‏، الإملاق‏:‏ الفقر، و‏{‏من‏}‏ للسببية والتعليل؛ إي‏:‏ بسبب الإملاق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏نحن نرزقكم وإياهم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، أي‏:‏ إذا أبقيتموهم؛ فإن الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم؛ لأن الذي يقوم بالرزق هوالله‏.‏

وبدأ هنا برزق الوالدين، وفي سورة الإسراء بدأ برزق الأولاد، والحكمة في ذلك أنه قال هنا‏:‏ ‏(‏من إملاق‏)‏؛ فالإملاق حاصل، فبدأ بذكر الوالدين الذين أملقا، وهناك قال‏:‏ ‏{‏خشية إملاق‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏31‏]‏؛ فهما غنيان، لكن يخشيان الفقر، فبدأ برزق الأولاد قبل رزق الوالدين‏.‏

وتقييد النهي عن قتل الأولاد بخشية الإملاق بناءً على واقع المشركين غالبًا؛ فلا مفهوم له‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الفواحش‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، لم يقل‏:‏ لا تأتوا؛ لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الإتيان؛ لأن النهي عن القرب نهي عنها، وعما يكون ذريعة إليها، ولذلك حرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وأن يخلوبها، وأن تسافر المرأة بلا محرم؛ لأن ذلك يقرب من الفواحش‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ما ظهر منها وما بطن‏}‏، قيل‏:‏ ما ظهر فحشه، وما خفي؛ لأن الفواحش منها شيء مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء‏.‏

وقيل‏:‏ ما أظهرتموه، وما أسررتموه؛ فالإظهار‏:‏ فعل الزنا ـ والعياذ بالله ـ مجاهرة، والإبطان فعله سرًا‏.‏

وقيل‏:‏ ما عظم فحشه، وما كان دون ذلك؛ لأن الفواحش ليست على حد سواء، ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏ألا أنبئكم بأكبر الكبائر‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الشهادات/باب ما قيل في شهادة الزور، ومسلم‏:‏ كتاب الإيمان/ باب بيان الكبائر‏)‏‏.‏‏]‏، وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما دون ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، النفس التي حرم الله‏:‏ هي النفس المعصومة، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمِن؛ بكسر الميم‏.‏

والحق‏:‏ ما أثبته الشرع‏.‏

والباطل‏:‏ ما نفاه الشرع‏.‏

فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن يزني المحصن فيرجم حتى يموت، أويقتل مكافئه، أويخرج عن الجماعة، أويقطع الطريق؛ فإنه يقتل، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة‏)‏‏.‏

وقال هناك‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، وقال قبلها‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏؛ فيكون النهي عن قتل الأولاد مكررًا مرتين‏:‏ مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر العموم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم وصاكم به‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏، المشار إليه ما سبق، والوصية بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال‏:‏ وصيته على فلان؛ أي‏:‏ عهدت به إليه ليهتم به‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏تعقلون‏}‏، العقل هنا‏:‏ حسن التصرف، وأما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏3‏]‏؛ فمعناه‏:‏ تفهمون‏.‏

وفي هذا دليل على أن هذه الأمور إذا التزم بها الإنسان؛ فهو عاقل رشيد، وإذا خالفها؛ فهوسفيه ليس بعاقل‏.‏

وقد تضمنت هذه الآية خمس وصايا‏:‏

الأول‏:‏ توحيد الله‏.‏

الثانية‏:‏ الإحسان بالوالدين‏.‏

الثالثة‏:‏ أن لا نقتل أولادنا‏.‏

الرابعة‏:‏ أن لا نقرب الفواحش‏.‏

الخامسة‏:‏ أن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحس‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏، قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا‏}‏ هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن؛ فلا نقربها بأي تصرف إلا بما نرى أنه أحسن، فإذا لاح للولي تصرفان أحدهما أكثر ربحًا؛ فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحًا لأنه أحسن‏.‏

والحسن هنا يشمل‏:‏ الحسن الدنيوي، والحسن الديني، فإذا لاح تصرفان أحدهما أكثر ربحًا وفيه ربًا، والآخر أقل ربحًا وهوأسلم من الربا؛ فنقدم الأخير؛ لأن الحسن الشرعي مقدم على الحسن الدنيوي المادي‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏حتى يبلغ أشده‏}‏، ‏(‏حتى‏)‏ هنا‏:‏ حرف غاية؛ فما بعدها مخالف لما قبلها‏.‏

أي‏:‏ إذا بلغ أشده؛ فإننا ندفعه إليه بعد أن نختبره، وننظر في حسن تصرفه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا‏.‏

ومعنى أشده‏:‏ قوته العقلية والبدنية، والخطاب هنا لأولياء اليتامى أوللحاكم على قول بعض أهل العلم، وبلوغ الأشد يختلف، والمراد به هنا الأشد الذي يكون به التكليف، وهوتمام خمس عشرة سنة، أوإنبات العانة أوالإنزال‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وأوفوا الكيل والميزان‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏، أي‏:‏ أوفوا الكيل إذا كلتم فيما يكال من الأطعمة والحبوب‏.‏

وأوفوا الميزان‏:‏ إذا وزنتم فيما يوزن؛ كاللحوم مثلًا‏.‏

والأمر بالإيفاء شامل لجميع ما تتعامل به مع غيرك؛ فيجب عليك أن توفي بالكيل والوزن وغيرهما في التعامل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بالقسط‏)‏، أي‏:‏ بالعدل، ولما كان قوله‏:‏ ‏(‏بالقسط‏)‏ قد يشق بعض الأحيان؛ لأن الإنسان قد يفوته أن يوفي الكيل أو الوزن أحيانًا، أعقب ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لا نكلف نفسًا إلا وسعها‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏؛ أي‏:‏ طاقتها، فإذا بذل جهده وطاقته، وحصل النقص؛ فلا يعد مخالفًا؛ لأن ما خرج عن الطاقة معفوعنه فيه، كما أن هذه الجملة تفيد العفومن وجه، وهو ما خرج عن الوسع؛ فإنها تفيد التغليظ من وجه، وهو أن على المرء أن يبذل وسعه في الإيفاء بالقسط، ولكن متى تبين الخطأ وجب تلافيه لأنه داخل في الوسع‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قلتم فاعدلوا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏، معناه‏:‏ أي قول تقوله؛ فإنه يجب عليك أن تعدل فيه، سواء كان ذلك لنفسك على غيرك، أولغيرك على نفسك، أولغيرك على غيرك، أولتحكم بين اثنين؛ فالواجب العدل؛ إذ العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل؛ فلا تمل يمينًا ولا شمالًا، ولم يقل هنا‏:‏ ‏{‏لا نكلف نفسًا إلا وسعها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 42‏]‏؛ لأن القول لا يشق فيه العدل غالبًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏و لوكان ذا قربى‏}‏، أي المقول له ذا قرابة؛ أي‏:‏ صاحب قرابة؛ فلا تحابيه لقرابته، فتميل معه على غيره من أجله؛ فاجعل أمرك إلى الله ـ عز وجل ـ الذي خلقك، وأمرك بهذا وإليه سترجع، ويسألك ـ عز وجل ـ ماذا فعلت في هذه الأمانة‏.‏

وقد أقسم أشرف الخلق، وسيد ولد آدم، وأعدل البشر؛ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال‏:‏ ‏(‏وايم الله؛ لو ان فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الحدود/ باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، ومسلم‏:‏ كتاب الحدود/ باب قطع السارق الشريف‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وبعهد الله أوفوا‏}‏، قدم المتعلق؛ للاهتمام به، وعهد الله‏:‏ ما عهد به إلى عباده، وهي عبادته سبحانه وتعالى والقيام بأمره؛ كما قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية12‏]‏، هذا ميثاق من جانب المخلوق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية12‏]‏، هذا من جانب الله ـ عز وجل ـ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏، هذه الآية الكريمة فيها أربع وصايا من الخالق عز وجل‏:‏

الأولى‏:‏ أن لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن‏.‏

الثانية‏:‏ أن نوفي الكيل والميزان بالقسط‏.‏

الثالثة‏:‏ أن نعدل إذا قلنا‏.‏

الرابعة‏:‏ أن نوفي بعهد الله‏.‏

والآية الأولى فيها خمس وصايا‏.‏ صار الجميع تسع وصايا‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏، هذه هي الوصية العاشرة؛ فقوله‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏ يحتمل أن المشار إليه ما سبق؛ لأنك لو تأملته وجدته محيطًا بالشرع كله؛ وإما إيماء، ويحتمل أن المراد به ما علم من دين الله؛ أي‏:‏ هذا الذي جاءكم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هوصراطي؛ أي‏:‏ الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى‏.‏

والصراط يضاف إلى الله ـ عز وجل ـ ويضاف إلى سالكه؛ ففي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ من الآية53‏]‏ هنا أضيف إلى الله ـ عز وجل ـ فإضافته إلى الله ـ عز وجل ـ لأنه موصل إليه، ولأنه هو الذي وضعه لعباده ـ جل وعلا ـ وإضافته إلى سالكه لأنهم هم الذين سلكوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مستقيمًا‏)‏، هذه حال من ‏(‏صراط‏)‏؛ أي‏:‏ حال كونه مستقيمًا لا اعوجاج فيه فاتبعوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏ولا تتبعوا السبيل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏ السبل؛ أي‏:‏ الطرق الملتوية الخارجة عنه‏.‏

وتفرق‏:‏ فعل مضارع منصوب بأن بعد فاء السببية، لكن حذفت منه تاء المضارعة، وأصلها‏:‏ ‏(‏تتفرق‏)‏، أي أنكم إذا اتبعتم السبل تفرقت بكم عن سبيله، وتشتت بكم الأهواء وبعدت‏.‏

قال ابن مسعود‏:‏ ‏(‏من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي عليها خاتمه؛ فليقرأ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية16‏]‏ الآية‏.‏

وهنا قال‏:‏ ‏{‏السبل‏}‏‏:‏ جمع سبيل، وفي الطريق التي أضافها الله إلى نفسه قال‏:‏ ‏{‏سبيله‏}‏ سبيل واحد؛ لأن سبيل الله ـ عز وجل ـ واحد، وأما ما عداه؛ فسبل متعددة، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة‏)‏؛ فالسبيل المنجي واحد، والباقية متشعبة متفرقة، ولا يرد على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية16‏]‏؛ لأن ‏{‏سبل‏}‏ في الآية الكريمة؛ وإن كانت مجموعة؛ لكن أضيفت إلى السلام فكانت منجية، ويكون المراد بها شرائع الإسلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏، أي ذلك المذكور وصاكم لتنالوا به درجة التقوى، والالتزام بما أمر الله به ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

* * *

* قوله‏:‏ قال ابن مسعود‏:‏ ‏(‏من أراد‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ‏.‏ الاستفهام هنا للحث والتشويق، واللام في قوله‏:‏ ‏(‏فليقرأ‏)‏ للإرشاد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وصية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏، أي‏:‏ رسول الله محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا التعبير من ابن مسعود يدل على جواز مثله، مثل‏:‏ قال محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا ينافي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ من الآية63‏]‏؛ لأن دعاء الرسول هنا أي‏:‏ مناداته؛ فلا تقولوا عند المناداة‏:‏ يا محمد ‏!‏ ولكن قولوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أما الخبر؛ فهوأوسع من باب الطلب، ولهذا يجوز أن تقول‏:‏ أنا تابع لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أواللهم‏!‏ صل على محمد، وما أشبه ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التي عليها خاتمه‏)‏، الخاتم بمعنى التوقيع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏وصية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏ ليست وصية مكتوبة مختومًا عليها؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يوص بشيء، ويدل لذلك‏:‏ أن أبا جحيفة سأل علي بن أبي طالب‏:‏ هل عهد إليكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في القرآن، وما في هذه الصحيفة‏.‏ قيل‏:‏ وما في هذه الصحيفة‏؟‏ قال‏:‏ العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الديات / باب العاقلة‏.‏‏]‏‏.‏

فلا يظن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصى بهذه الآيات وصية خاصة مكتوبة، لكن ابن مسعود رضي الله عنه يرى أن هذه الآيات قد شملت الدين كله؛ فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبقاها لأمته‏.‏

وعن معاذ بن جبل ‏(‏رضي الله عنه‏)‏؛ قال‏:‏ ‏(‏كنت رديف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حمار، فقال لي‏:‏ ‏(‏يا معاذ‏!‏ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله‏؟‏‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا‏.‏

وهي آيات عظيمة، إذا تدبرها الإنسان وعمل بها؛ حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة‏:‏ العقل، والتذكر، والتقوى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فليقرأ قوله تعالى ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ الآيات سبق الكلام عليها‏.‏

* * *